الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
39
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليفة ، فلذلك ابتدأ به لأنهّ سبحانه حكيم ، والحكيم من يبدأ بالأهم دون الأعم ( 1 ) . « رسل لا تقصّر بهم قلّة عددهم ، ولا كثرة المكذّبين لهم » قال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لقِوَمْهِِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ . فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . فكَذَبَّوُهُ فنَجَيَّنْاهُ وَمَنْ معَهَُ . . . ( 2 ) ، وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لقِوَمْهِِ اعْبُدُوا اللّهَ . . . فَما كانَ جَوابَ قوَمْهِِ إِلّا أَنْ قالُوا اقتْلُوُهُ أَوْ حرَقِّوُهُ . . . ( 3 ) ، وقال عزّ وجلّ حكاية عنه : وَتاَللهِّ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إلِيَهِْ يَرْجِعُونَ ( 4 ) . قال ابن أبي الحديد : قال الراوندي : وكلّ واحد من الرسل والأئمة عليهم السلام كان يقوم بالأمر ولا يردعه عن ذلك قلّة عدد أوليائه ، ولا كثرة عدد أعدائه . فيقال له : هذا خلاف قولك في الأئمّة المعصومين ، فإنّك تجيز عليهم التقيّة وترك القيام بالأمر إذا كثرت أعداؤهم ( 5 ) . قلت : الأئمّة عليهم السلام كالأنبياء صلوات اللّه عليهم كانوا يقومون بدعوة غير الجبابرة ، وأمّا الجبابرة فكانوا قد يقومون بدعوتهم ، وقد يتركونهم على حسب المصلحة والقيام الّذي قال الراوندي أعمّ من الخروج بالسيف ، وإلّا لخرج أكثر الأنبياء عن ذلك ، وإلّا فليس في الأنبياء من يكون مصداقا
--> ( 1 ) كمال الدين لا بن بابويه : 4 . ( 2 ) يونس : 71 - 73 . ( 3 ) العنكبوت : 16 - 24 . ( 4 ) الأنبياء : 57 - 58 . ( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 38 .